يطرح توماس رايت رؤية مختلفة لتفسير الجمود بين إيران والولايات المتحدة، حيث يرى أن المأزق لا يرتبط بصراع داخلي بين متشددين وبراغماتيين داخل طهران، بل ينبع من اقتناع الطرفين بأن كلًا منهما خرج منتصرًا من الحرب. يوضح الكاتب أن هذا الإدراك المتبادل بالنصر يعقّد فرص التوصل إلى تسوية، لأن أي تنازل سيُفسَّر كخسارة غير مبررة بعد صمود طويل ومكلف.
ينشر موقع ذي أتلانتيك هذا التحليل في سياق تصاعد التوتر حول مضيق هرمز والمفاوضات النووية، حيث رفضت واشنطن عرضًا إيرانيًا بفتح المضيق مقابل رفع الحصار، ما يعكس عمق الفجوة بين الطرفين رغم استمرار القنوات الدبلوماسية.
وهم الانقسام داخل إيران
يفترض الخطاب الأمريكي وجود انقسام حاد داخل النظام الإيراني بين جناح عسكري متشدد وآخر تفاوضي أكثر مرونة، إلا أن الكاتب يشكك في هذا التصور. يرى أن مؤسسات القوة في إيران، وعلى رأسها الحرس الثوري، أثبتت قدرة عالية على التكيّف والصمود رغم الضربات والعقوبات، ما يجعل فكرة انهيارها نتيجة ضغط إضافي غير واقعية.
يؤكد التحليل أن التيار المتشدد لا يقتصر على مؤسسة بعينها، بل يمتد عبر بنية النظام، ما يعني أن استهدافه عسكريًا أو سياسيًا لن يؤدي إلى تغيير جوهري في موقف طهران. يضيف أن الرهان على ضرب “المعطّلين” داخل النظام يعكس سوء فهم لطبيعة الحكم في إيران، حيث تتقاطع المصالح الأمنية والسياسية بشكل يجعل التنازل مكلفًا داخليًا.
حسابات النصر وتصلّب المواقف
يرى الكاتب أن كلا الطرفين يقرأ نتائج الحرب بشكل يعزز موقفه التفاوضي. تعتبر واشنطن أنها أضعفت القدرات العسكرية الإيرانية بشكل كبير، بينما ترى طهران أنها صمدت أمام محاولة إسقاطها وأثبتت قدرتها على تهديد الملاحة والطاقة في الخليج.
يخلق هذا التباين في التقييم حالة من الجمود، حيث ترفض إيران التخلي عن برنامجها النووي أو الصاروخي لأنها تعتقد أن الحرب لم تنتزع منها هذه الأوراق. في المقابل، ترفض الولايات المتحدة رفع الحصار دون تنازلات واضحة، معتبرة أن الضغط الاقتصادي سيؤدي في النهاية إلى تراجع إيراني.
يشير التحليل إلى أن إيران تمتلك خبرة طويلة في التعامل مع العقوبات، ما يقلل من فاعلية الرهان الأمريكي على انهيار اقتصادها سريعًا. كما تراهن طهران على قدرتها على تحمّل الضغوط أكثر من واشنطن، خاصة مع اقتراب استحقاقات سياسية داخلية أمريكية قد تزيد من حساسية الإدارة تجاه ارتفاع الأسعار والتضخم.
مخاطر التصعيد وتكلفة الجمود
يحذر الكاتب من أن استمرار هذا الوضع قد يدفع إيران إلى توسيع دائرة الضغط عبر تهديد ممرات أخرى مثل باب المندب، ما يضاعف التأثير على التجارة العالمية. كما يشير إلى أن أي ضربة عسكرية محدودة لن تغيّر المعادلة، بل قد تستدعي ردودًا انتقامية تزيد من تعقيد المشهد.
يلفت التحليل إلى أن إغلاق مضيق هرمز لفترة أطول سيؤدي إلى تداعيات اقتصادية عالمية واسعة، مع تراجع الإمدادات وارتفاع الأسعار ونقص في المنتجات المكررة. ورغم أن التأثير الأكبر قد يقع على الاقتصادات الأخرى، فإن الولايات المتحدة لن تبقى بمنأى عن الضغوط، خاصة في سوق الطاقة والتضخم.
خيارات صعبة بلا حلول مثالية
يخلص الكاتب إلى أن واشنطن تواجه خيارات محدودة، جميعها يحمل كلفة سياسية واستراتيجية. يمكنها السعي إلى اتفاق نووي جديد بشروط أقوى، لكنه لن يقضي بالكامل على البرنامج الإيراني ولن يعالج ملف الصواريخ. كما يمكنها قبول صفقة محدودة تعيد فتح المضيق دون تسوية شاملة، ما يعني التنازل عن هدف كبح القدرات الإيرانية.
في المقابل، تفضّل بعض القوى الإقليمية استمرار الضغط دون اتفاق، لأنها تخشى أن يؤدي رفع العقوبات إلى تعزيز نفوذ إيران. يوضح التحليل أن هذا التباين في المصالح يزيد من تعقيد أي تسوية محتملة.
يؤكد الكاتب في النهاية أن الحرب لم تحسم الصراع بل أعادت تشكيله، حيث منحت إيران نفوذًا أكبر في أسواق الطاقة وأدوات ضغط جديدة، بينما وضعت الولايات المتحدة أمام معضلة استراتيجية بلا مخرج سهل.
https://www.theatlantic.com/international/2026/05/iran-us-negotiations-ceasefire/687025/

